الدرس 2 من 26 — تفسير جزء عم
تفسير سورة النبأ - الجزء الثاني
الفيديو الأصلي: https://www.youtube.com/watch?v=v5jkapf066I
بيحمّل المحتوى…
الدرس 2 من 26 — تفسير جزء عم
الفيديو الأصلي: https://www.youtube.com/watch?v=v5jkapf066I
بيحمّل المحتوى…
افتتح الشيخ الدرس الثاني من سلسلة «تفسير جزء عم»، وذكّر باتفاق السلسلة على أن المطلوب في قراءة القرآن ليس أن يقرأ فحسب، وإنما أن يفهم؛ وفهم القرآن وسيلة إلى تحسين التدبر، ثم إلى تحويل ما فهمه إلى واقع وإلى عمل؛ فالعلم الذي لا أثر له في السلوك نصيبه أن يطير.
ثم بيّن أن أكثر الناس عندهم حاجز نفسي مع كتب التفسير: يخافون من كبرها فيبدأون بالتفسير الميسر، ثم ينتقلون إلى تفسير السعدي، ثم إلى مختصر ابن كثير، ثم إلى كتب كبرى كالطبري؛ وكل انتقال من منهج إلى منهج يحتاج أدوات تهيئ له.
وردّ على ما يقال من تفضيل تفسير السعدي على ابن كثير ونحوه: فالحقيقة أن هذا الكلام ليس حكما على الكتب، وإنما هو حديث عن الطالب نفسه، فمن قاله فهو لم يستوعب منهج المفسر الذي يقرأه؛ فمعيار التدرج هو قدر الطالب لا قيمة الكتاب.
وخلاصة الفكرة: السلسلة تعطي الطالب أدوات وقواعد تتراكم، فإذا أراد التوسع في مسألة أو في آية فقرأ في كتاب أوسع وجد نفسه قادرا عليه بلا رهبة؛ فالمسالك الكثيرة ليست تشتيتا بل تدرجا مقصودا.
موضع الدرس: انتهى الدرس الأول عند قوله تعالى «وإن يوم الفصل كان ميقاتا»، بعد أن فرغ من طرق إثبات البعث، ثم انتقل إلى أسلوب الترهيب وذكر «إن جهنم كانت مرصادا للطاغين» وما تلاها حتى «فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا»؛ ويأتي هذا الدرس ليتمم الاتجاه الآخر من الأسلوب: «إن للمتقين مفازا».
وبيّن أن من منهج القرآن في هذا الموضع: يذكر الجنة والنار معا، وترتيب الذكر يتبع السياق، فرب موضع بدأ بالنار ورب موضع بدأ بالجنة؛ وهذا يعني أن الدعوة لا تبنى على طرف واحد، فلا يُغلق الداعية باب الترهيب ولا باب الترغيب.
وكلا الإفراطين في المشكل: من يقتصر على الترغيب يركن إلى الدنيا ويأمن فيتجرأ على عصيان الله؛ ومن يقتصر على الترهيب يصل إلى اليأس فيرى الجنة والنار كلاهما لا جدوى فيهما؛ ومعيار الغلو أنه مدخل شيطاني في نفس الملتزم، سواء أفرط في الترغيب أو أفرط في الترهيب.
واستدل على وجوب الموازنة بقوله صلى الله عليه وسلم: لو علم الناس ما عند الله من العذاب لما طمع أحد في جنته، فكراهة العذاب بالذات لا تصد إلى ترك الرجاء، ولذلك لزم في الدعوة وفي التربية أن يجتمع الخوف والرجاء.
وبيّن طريقة تربوية يخرجها من النص نفسه: تشبيه من يسير إلى الله بالطائر، الجسد هو حب الدنيا، والجناحان هما الخوف والرجاء؛ فلا طائر بغير جسد، ومن له جناح واحد يطير لكنه مضطرب على قدر تفاوت الجناحين في القوة، فإذا استقوى الجناحان كان طيرانه متوازنا سريعا.
| المعيار | الاكتفاء بالترغيب | الاكتفاء بالترهيب |
|---|---|---|
| الأثر في النفس | ركون وأمان | يأس وسد الأمل |
| المظهر في السلوك | تجرؤ على المعصية | ترك طريق العمل |
| النتيجة | انحراف عن الحق | انحراف عن الحق |
«المتقين» الذين ثبتوا على التوحيد أولا، ثم عملوا ما أمر الله سبحانه به وانتهوا عما نهاهم عنه؛ فالتقوى ليست الانحصار في ترك المعصية فحسب بل عمل بالطاعة ووقوف عند حدود الله.
أما «مفازا» فمعناه في اللغة: الوصول إلى المطلوب والنجاة من المرهوب؛ فإذا قيل فلان فاز فمعناه أنه نال ما يريد أو نجا مما يخاف، ومن زحزح عن النار ودخل الجنة فقد فاز.
ثم بين قاعدة في تفسير السلف: هم لا يقتصرون على المعنى الاسمي اللغوي المطابق الذي تجده في المعجم، بل يفسرون على المعنى المراد وبما وراء المعنى اللغوي العادي؛ ولذلك فسروا «مفازا» بأنها الجنة والنجاة من النار، لا محض الفوز المجرد.
ودليلهم على ذلك ما جاء بعدها في الآيات: حدائق وأعناب وكواعب أتراب، وهي أمور الجنة؛ فدل ذلك على أن المقصود هو الدخول في الجنة والنجاة من النار، وهما أمران متلازمان، فمن دخل الجنة فقد نجا من النار.
ثم بين أن الفوز العظيم ليس هو الفوز الدنيوي: المال والشهرة والقوة والنجاح في الدنيا كل واحد منها يحتمل الخير والشر، فقد يدخل الجنة من الأغنياء والمشاهير وأصحاب الشهادات، ويدخل النار من مثلهم؛ فالفوز الذي يعنى به هو ما يتعلق بالآخرة.
«حدائق»: الحديقة في اللغة هي البستان إذا حوط بسور، وإحداق الحيطان به معناه إحاطتها به؛ وجمعها «حدائق» يدل على أن في الجنة بساتين كثيرة لا بستانا واحدا.
ومثل ذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة التي قتلت ابنها: إن حارثة أصاب جنانا، أي نعيما ليس هو الحديقة الواحدة.
ثم بين قاعدة في بلاغة القرآن: إذا ذكر العام ثم ذكر الخاص فذكر الخاص يدل على شرفه؛ ولذلك لما ذكر الله «حدائق» ثم «وأعناب» أفاد شرف العنب، والعنب من أعظم الفواكه وأحبها إلى قريش وهي المخاطبة بالآية؛ ويجوز أن يذكر القرآن نوعا من الفاكهة في موضع آخر، كذكر الموز في سورة الواقعة، فالسياق يختلف.
ثم حذر: ما في وصف الجنة من حدائق وأعناب لا يشبه ما في الدنيا، فليست الحديقة في الجنة حديقة الأرض التي يعرفها الناس، ولا العنب عنبهم؛ فالأسماء لا تدل على حقيقة المسمى، وأجمل ما في الدنيا أقل بكثير جدا من الحقيقة.
وفي «كواعب» وصف لنساء أهل الجنة والحور العين: الكواعب التي استدارت نهودهن، وهذا وصف يدل على الشباب والنضارة، إذ كلما كبرت المرأة ترهلت.
و«أتراب» أصحاب سنة واحدة، وقد تكون هذه السنة خمسينا أو ستينا، والمعنى أنهن متساويات في السن فلا تفضيل بينهن ولا اختلاف في الهيئة.
ثم بين تراتب أهل الجنة: نساء أهل الإيمان فوق الحور العين في الجنة، والحور العين لم يدخلن الجنة بعمل، فهن خلقن لهن؛ ومن عرف عظمة ما عند الله غض بصره عن متاع الدنيا، فما في الدنيا من جمال النسوة أقل بكثير من الكواعب الأتراب.
«كأس» الكأس شراب أهل الجنة، فسره بعض السلف بالخمر لأن العرب تطلق الكاس على الخمر، وفسّره بعضهم بالشراب عموما؛ والخمر من شراب أهل الجنة ومن نعيمها، لكنه لا يذكر ولا يذهب العقل.
أما «دهاقا» فله عند السلف ثلاثة أقوال: ممتلئة، ومتتابعة، وصافية. ثم طبّق قاعدة الخلاف التي راسخها في الدرس الأول: لا تعارض بين هذه الأقوال، فهذه خلاف تنوع لا خلاف تضاد، فلا يحتاج إلى ترجيح، وكل المعاني جميلة محمولة.
ثم أجاب عن سؤال: أي المعاني أصاب اللغة؟ فالممتلئة والمتتابعتان هما معنى «دهاق» في اللغة، من الملء ومن التدفق المتتابع؛ أما الصافية فمعنى زائد استخرجه المفسرون من عموم وصف القرآن لشراب أهل الجنة، لا من المعنى اللغوي.
ومن مثال الكوب المملوء يتبين أن النفس تحب الامتلاء وتميل إلى إتمام ما تعطى: من جاء بكوب ربعه امتلأ حتى عاد إلى صاحبه يطلب منه أن يملأه، فإذا انتهى مالئو الكوب غضب صاحب ما بعده وتعب؛ فحب الامتلاء والامتلاء المتتابع من طبيعة الإنسان.
ثم بين أن ربنا يصف في هذه الآيات أعظم لذات أهل الدنيا: الحدائق والطعام والكواعب والشراب؛ فالمقصود ليس الانشغال بها في الدنيا، بل المهم أن تنشغل بنيلها في الآخرة، فالدنيا مهما طالت قصيرة، والكؤوس لن تتتابع إلى الأبد، والحدائق ستفنى وتبلى، والنساء يكبرن ويترهلن.
ثم قال «لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا»: الخمر ذهب العقل وورثت لغوا باطلا وشتيمة وكذبا، فدل هذا على أن الكأس في الجنة لا تذهب العقل ولا يترتب على شربها لغو ولا تشاحن ولا كذب.
و«لا كذابا» تعني كذلك لا يكذب بعضهم بعضا فيأمن أهل الجنة بعضهم بعضا؛ ومن سمع اللغو في الدنيا تعرض للعذاب، ومن نعيم الدنيا مصاحبة الصادقين كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
ثم نصح: إذا جلس مجلسا حتى مع أحباب الناس فلا يطيل إلا بقدر ما ينتفع بمصلحة دينية أو دنيوية، فإطالة المجلس طريق الشيطان إلى اللغو واللغط، وقد رأينا مجالس طويلة في المسجد تبدأ بالكلام الحلو ثم تنقلب إلى سخرية وفضيحة.
| قول السلف في «دهاقا» | مصدره | الملاحظة |
|---|---|---|
| ممتلئة | معنى «دهاق» في اللغة | ملء الكأس حتى الامتلاء |
| متتابعة | معنى التدفق في اللغة | كؤوس لا تنقطع ولا تتوقف |
| صافية | عموم وصف القرآن لشراب أهل الجنة | معنى زائد لم يرد في المعنى اللغوي |
«جزاء» يعني المقابل، وهو مقابل العمل الذي عمل في الدنيا؛ وهذا يدل على أن الجنة تحتاج إلى عمل، قال تعالى: «تلكم الجنة ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون».
و«عطاء» يعني أن هذا الجزاء عطية من الله سبحانه، فلا مساواة بين العمل والجزاء؛ فالمحاولة قد لا تستحق ذهبا ولا فضة، والله يجزي له أجرا عظيما.
ثم جمع بين قول الله «جزاء من ربك عطاء حسابا» وقول النبي صلى الله عليه وسلم: واعلموا أن أحدكم لن يدخل الجنة بعمله، قال ولا أنت يا رسول الله، قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وفضله.
فالجواب عن الجمع: لن ندخل الجنة إلا بالرحمة، ولن نصل إلى هذه الرحمة إلا بالعمل؛ فالعمل بيوصلك الجنة، والرحمة هي التي تُدخل الجنة؛ فلا تعارض بين الكلمتين،فمن أراد أن يدخل الجنة بغير عمل فقد أراد باطلا.
وضرب مثالا: لو جمع إنسان كل ماله في عمره لاشترى مئة كيلو ذهب، ثم مات، لكانت أصوله هذه لا تساوي الجنة، بل عليه ديون لا تزال تسدد، وعليه نعمتا بصر وسمع سيؤجر عليها؛ فكل ذلك أيسر العمل المذموم.
ثم بيّن أن «حسابا» يعني أن الجزاء على قدر العمل؛ فكل صغيرة وكبيرة محسوبة، ويوم القيامة يعرضها الله على صاحبها حاضرة لا يغيب عنها شيء.
وصف الله سبحانه وتعالى نفسه في الآية بأنه «الرحمن» يتسق مع مضمون الكلام: إنهم يدخلون الجنة برحمته سبحانه.
«لا يملكون منه خطابا» يعني أن الخلق لا يملك أحد أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن الله تعالى له؛ وقيل: الخطاب كلام على الإطلاق، وقيل: شفاعة خصوصا، ولا تعارض بين القولين فالشفاعة جزء من الكلام.
ثم بيّن أن الأمر شامل حتى النبي صلى الله عليه وسلم: في حديث الشفاعة لا يتكلم إلا بعد إذن، فيسجد تحت العرش ويحمد الله بما فتح الله عليه من محامد ويدعو، ثم يقال له: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع.
ومضى في ذلك: الكفار قد يأذن لهم الله فيتكلموا، كما في الآيات حين قالوا «ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين» ثم قيل لهم «اخسؤوا فيها ولا تكلمون»؛ فالإذن الأول ثم المنع، وذلك من نوع من التعذيب.
ثم قارن ذلك بمقام الملائكة: «لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا»؛ وهذا بيان عظم الموقف حتى في أشرف الخلق، فالملائكة خائفون مشفقون من هذا اليوم، فكيف يكون حال من عصى الله أو كان منافقا أو كافرا؟ إلا أن أهل الإيمان الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن وهم مهتدون.
ثم فسر «وقال صوابا»: قيل: قال حقا، وقيل: قال لا إله إلا الله؛ والأول ذكر المعنى العام والثاني مثال للحق من الألفاظ، ولا تعارض بين القولين، وكلاهما حق.
«ذلك اليوم الحق» هي الخلاصة التي دارت حولها الصورة كلها، فقد دارت الآيات على إثبات أن البعث حق وأن يوم القيامة حق؛ لكن الصورة لا تكتمل عند هذا، ثم تسأل: هل انتهت المسألة عند هذا؟ لا، فالآية التالية تقول: والمفروض تعمل ماذا بعد أن عرفت؟
«فمن شاء اتخذ إلى ربه مابا»: «من شاء» إرادة وفعل، و«اتخذ إلى ربه مابا» أي اتخذ سبيلا إلى الله، فسبيل إلى النجاة وسبيل إلى الفوز؛ فليعمل وليجتهد جدا في العبادة ويترك المعصية قدر ما يستطيع.
وخلاصة التدبر: إن لم تخرج من سورة النبأ بعبادة زادت ومعصية قلت وخشوع وازداد رجاء وخوفا فلم تخرج منها بشيء؛ العلم ينادي على العمل، والعلم الذي لا تعمل به يطير منك.
ثم قال تعالى «أنذرناكم عذابا قريبا»: فسر بعضهم العذاب القريب بالنار، وقيل بيوم القيامة، وذهب بعضهم إلى بدر استنادا إلى معنى القرب، وهو تفسير بعيد عن جو السورة.
ثم «يوم ينظر المرء ما قدمت يداه»: كل الناس ستنظر ما قدمت أيديهم، ولا يغادر الكتاب صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا.
و«يا ليتني كنت ترابا» هي آخر مشهد للكافر بعد اللذة والمتعة والبغي والعتو والظلم والعدوان على المسلمين؛ وهي أقصى أمنيته لو نال الدنيا كلها في معصية الله.
وفي التراب قولان: الأول أن المقصود الرجوع إلى التراب الأول الذي خلق منه آدم، أي الرجوع إلى نقطة الخلق الأولى؛ والثاني أن معاملة البهائم التي تؤخذ حقوقها ثم تصير ترابا، وهي مظهر من مظاهر العدل، إذ البهائم لا تحاسَب يوم القيامة إلا لتؤخذ منها الحقوق، فإذا عجزت عن أداء حقوقها صارت ترابا.
وختم بأن من تأمل هذا المشهد وجد في نفسه طاقة العمل لله؛ فانظر إلى الدنيا كلها من الآن بهذه النظرة تزهد في كثير من أحداثها ويجد رغبة حقيقية في الدار الآخرة، فيتحول القرآن فعلا إلى ربيع القلوب ونور الصدور وجلاء الأحزان.
| قول في «كنت ترابا» | معناه | فائدته |
|---|---|---|
| الرجوع إلى التراب الأول | العودة إلى نقطة الخلق التي خلق منها آدم | أمنية الكافر أن لا يخلق أصلا |
| كحساب البهائم | تؤخذ حقوقها ثم تصير ترابا | مظهر من مظاهر العدل |
20 سؤالًا • أجب عنها جميعًا ثم اعرض نتيجتك وتصحيح أخطائك
يجب الإجابة عن جميع الأسئلة قبل عرض النتيجة
20 سؤالًا صعبًا • لا يكفي الحفظ — لازم فهم عميق للشرح
يجب الإجابة عن جميع الأسئلة قبل عرض النتيجة