الدرس 5 من 26 — السيرة النبوية
بداية الجهر بالدعوة
الفيديو الأصلي: https://www.youtube.com/watch?v=GLvr-pYGLOs
بيحمّل المحتوى…
الدرس 5 من 26 — السيرة النبوية
الفيديو الأصلي: https://www.youtube.com/watch?v=GLvr-pYGLOs
بيحمّل المحتوى…
كنا وقفنا في الدرس الماضي عند نزول الوحي، وأوائل من أسلم، والدعوة السرية، ودار الأرقم؛ وفي هذا الدرس نعيش المرحلة التالية: انتقال الدعوة من السر إلى الجهر.
والآية المحورية في هذا الدرس: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾؛ قال الشيخ: يعني قريشًا؛ فبها أُمر النبي ﷺ أن ينذر أقرب الناس إليه؛ فكانت هذه الآية فاتحة مرحلة الجهر.
وأما المرحلة السرية كما وصفها الشيخ: كان كل من أسلم يدعو من يثق فيه — صاحبًا أو قريبًا — واحدًا واحدًا، حتى صار المسلمون عشرات الأفراد؛ ولو انكشف الأمر لقريش في أولها لأخذت موقفًا عنيفًا؛ ودار الأرقم كانت أول بيت اجتمع فيه المسلمون وتعلموا فيه دينهم.
| المرحلة | البيان |
|---|---|
| الدعوة السرية | أفراد يُدعَون من الثقات، بعيدًا عن أنظار قريش |
| دار الأرقم | أول مقر للاجتماع والتعلم |
| الجهر | ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: إنذار عام لقريش |
ومن أروع ما يُحكى في هذه المرحلة قصة أبي ذر الغفاري؛ وقد كان ابن عباس يقصها على الناس ويعرضها عليهم لعظمتها.
قال أبو ذر: بلغنا أن رجلًا بمكة يقول إنه نبي؛ فأرسلت أخي يستقصي الخبر؛ فرجع أخي ولم يشفني من الخبر — أي لم يشفِ غليلي بشيء يفصّل الأمر؛ فقلت: لأذهبن بنفسي.
فقدم أبو ذر مكة ولم يعرف أحدًا؛ فلقيه عليٌّ فعرف أنه غريب، فقال: «كأن الرجل غريب؟»؛ فانطلق به إلى منزله واستضافه.
وأقام عنده، ووصف أبو ذر ذلك فقال: «لا يسألني عن شيء ولا أخبره»؛ فكلٌّ منهما كتم على الآخر: عليٌّ لا يسأله وعن ماذا جاء، وأبو ذر لا يخبره اليوم؛ احتياطًا على الأمر.
وكانا يتواطآن على ألا يُفتضح أمرهما: فإذا خرجا، مشى أبو ذر خلف عليٍّ، وإن خشيا أن يراهما أحد توقف كأنه يصلح نعله حتى يمر المرء ولا يشك فيهما.
ثم أسلم أبو ذر؛ فقال له النبي ﷺ: «اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل»؛ فعاد إلى قومه ينتظر الظهور.
ووقف الشيخ عند هذا الوصف ليقول: هكذا كانت بداية الإسلام: أفراد قلائل يخفون أمرهم، حتى جاءت الفتحة والنصر من الله.
| المشهد | البيان |
|---|---|
| الخبر | بلغ أبا ذر أن نبيًّا ظهر بمكة |
| الاستقصاء | أرسل أخاه، فرجع فلم يشفه من الخبر |
| اللقاء | رآه عليٌّ فقال: «كأن الرجل غريب؟» |
| الإسلام | أسلم عند النبي ﷺ |
| الوصية | «اكتم هذا الأمر... فإذا بلغك ظهورنا فأقبل» |
وقف الشيخ عند عظم أمر الرسالة؛ فمما قاله الله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾؛ فلو قال الرسول على الله غير الذي أُوحي إليه لأُخذ بالشدة وعوقب أشد العقوبة؛ فليست الرسالة أمرًا هينًا ولا مكانة يطمع فيها.
ثم تخيّل المشهد كما ذكر الشيخ: رجل بعثه الله يأمره أن ينذر مكة كلها — وهي التي كان يخافها — فماذا عساه أن يواجه؟ لم يكن هذا الحمل ليقوم به إلا نفسٌ عظيمة؛ ولذلك قلنا: من «قم فأنذر» إلى آخر عمره ﷺ وهو يبلغ، ما توقف ولا تراجع.
ومن دلائل هذه القوة والحرص: قوله تعالى لنبيه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ — أي مهلكٌ نفسك حزنًا عليهم؛ فكان ﷺ أشد الناس شفقة عليهم.
قال الله: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾؛ ومن أعظم صور الابتلاء أن يكون الامتحان في أقرب الناس إليك؛ فقد يقف أقرب الناس سدًّا أمام الدعوة، وقد يسندك قريب يخالفك في الدين.
فأما أبو لهب: فكان أول من واجه الدعوة بالرفض من أقارب النبي ﷺ؛ وأما أبو طالب: فقد قدر الشيخ الأمر تقريرًا صريحًا: أبو طالب مات على غير الإسلام، وهذا ثابت بالنصوص؛ ومع ذلك فقد حمى النبي ﷺ ورعى الدعوة رعايةً يُذكر فضلها ولا يُجحد؛ فلا غلو يُرقّيه إلى الإيمان، ولا إنكار ينسى صنيعَه.
ولفت الشيخ إلى صنعة الله لعبده: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ فمن احتاج سندًا هيأ الله له من يسنده؛ وموسى عليه السلام تربى في بيت فرعون — بيت الكفر والطغيان — وكانت امرأة فرعون ممن سخرها الله له حتى صارت من أفضل نساء العالمين.
| القريب | الموقف | الدلالة |
|---|---|---|
| أبو لهب | اعترض من أول يوم وحارب الدعوة | قريب يكون فتنة على دينك |
| أبو طالب | حمى النبي ﷺ ومات على غير الإسلام | فضل يُعترف به مع ثبوت الحكم |
| موسى في بيت فرعون | تربى في بيت الطغيان مع امرأة صالحة | الله يصنع عبده ويهيئ له من يسنده |
موازنة أبي طالب (على ما قرره الشيخ): الثابت بالنصوص أنه مات على غير الإسلام؛ ومع هذا يُذكر فضله وحمايته للنبي ﷺ ورعايته للدعوة؛ فلا غلو ولا جحود.
بدأ الجهر العملي: صعد النبي ﷺ مكانًا عاليًا عند الصفا ونادى البطون والعائلات: «يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني عبد شمس، يا بني عبد مناف»؛ فاجتمعت قريش كلها تنظر ما الذي يريد أن يقوله.
ولا يبدأ النبي ﷺ بالخبر مباشرة، بل أخذ منهم إقرارًا بصدقه أولًا، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟»؛ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا.
فقال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»؛ فدعاهم إلى النجاة بعد إقرارهم أنه ما جُرب عليه كذب قط.
وكان أول من رد عليه من الأقارب أبو لهب، فقال: «تبًا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟»؛ فأنزل الله فيه قرآنًا يُتلى إلى قيام الساعة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
| المشهد | البيان |
|---|---|
| النداء | نداء البطون على مكان عالٍ عند الصفا |
| الإقرار | «ما جربنا عليك إلا صدقًا» |
| الإعلان | «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» |
| الرد | أبو لهب: «تبًا لك سائر اليوم!» فنزلت المسد |
لماذا حاربت قريش الدعوة؟ ليس الجهل وحده هو السبب؛ فإن الله وصفهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ — أي لا يخافون حسابًا ولا ينتظرون جزاء؛ فمن لا يرجو حسابًا ولا يراقب إلا مكانته يفعل ما يفعل.
وقال الله عنهم: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾؛ فلو عادوا إلى الدنيا وعرفوا الحق لرجعوا إلى ما نُهوا عنه؛ فلا ينتظر منهم إيمان بالعلم وحده؛ والمحرك مختلف تمامًا.
وبيّن القرآن المثل: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؛ فالنور إذا انتشر ذهبت معه المكانة والمصالح والوجاهة؛ فحاربوا قبل أن يفقدوا ما بأيديهم.
ومما قرر الشيخ أيضًا: مقالة فرعون لموسى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ فرفض فرعون وكابر؛ لأن خروجهم معه يزحزح ما في يده من الملك؛ وهكذا كل من يحارب الحق: يحاربه لا لأنه لا يعرفه، بل لأنه يخاف أن يذهب بملكه.
ونبّه الشيخ على داء آخر: غياب الخوف من الحساب؛ فكثير من الناس يسمعون بالنار والجنة، ثم لا يخافون الموت ولا القبر، حتى تصير المعاصي عندهم عادية؛ والخوف عامل أساسي في الاستقامة؛ ومن لا يخاف فهو مشكلة.
وظهر هذا المعنى في أهل الدعوة الأوائل: أسلم فيها عثمان بن عفان وأبو بكر وعمر، وبلال، وصهيب الرومي — قرشيون وغير قرشيين — فليست دعوة قبيلة ولا طبقة.
| الصورة | البيان |
|---|---|
| الخوف من الحساب | ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ |
| العناد بعد العلم | ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ |
| المِثال | ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ |
| شاهد آخر | فرعون يرفض ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ |
| لا حزبية | صحابة من قريش وغيرها، ولذلك كانت الدعوة لله |
وقف الشيخ وقفة مهمة: اعرف أسلوب أهل الباطل؛ فمن أول وسائلهم في مواجهة الدعوة: السخرية، ثم الشبهات، ثم الصد واللغو.
فأما السخرية: فقد حكى القرآن حالهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجَرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾؛ كانوا يستخفون بالمؤمنين ويعيبون الدعوة وكل من جاء بها.
وأما الشبهات: فكان القرآن يعالجها لحظة بلحظة؛ قال الله في ص: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾؛ وقالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾؛ وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾؛ كل يوم بلون ووصف؛ مرة ساحر، ومرة كذّاب، ومرة مجنون.
وأما الصد واللغو: فقد كانوا يمنعون الناس من السماع، ويجلون الصياح واللغو عند القراءة؛ قال الله: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾؛ ومن أعظم من فعل ذلك: النضر بن الحارث؛ كان يسافر إلى الشام والروم، فتعلم أساطير الأولين، فجلس يقصها على قريش ليصرفهم بها عن القرآن.
ثم نزل بنا الشيخ إلى قصة الوليد بن المغيرة: سمع القرآن فعرف أنه ليس كلام بشر، وقال كلمته الشهيرة: «وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه»؛ وقال لقريش: «والله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني»؛ فشهد أن ما سمعه لا يشبه الشعر، ولا هو من كلام الجن.
فلما سمعت قريش بهذا الفم الذي لا تنكر فصاحته وصدقه، صاروا إليه؛ ولما صار إليهم قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، فأنزل الله فيه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾.
| الوسيلة | شمولها من الدرس |
|---|---|
| السخرية | ضحك وتغمز واستخفاف بالمؤمنين |
| الشبهات | ساحر، كذّاب، مجنون، اختلاق، ولولا نُزِّل على رجل عظيم |
| الصد واللغو | ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ وقصص النضر |
| الوليد | اعترف بالحلاوة ثم قال: سحر يُؤثر |
لما ضاقت قريش بالحجج والشبهات دخلت باب المساومة؛ فعرضوا: «تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة»؛ فأنزل الله سورة الكافرون تفصل القضية فصلًا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾؛ وقال الله من قبل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾؛ فلا مداهنة في الدين.
ثم أرسلوا عتبة بن ربيعة — وهو أبو الوليد، فتنبه: ليس الوليد بن المغيرة — فعرض عروضه: المال؛ والملك والرياسة؛ والنساء؛ وأن يُطبَّب إن كان به شيء؛ فقال له النبي ﷺ: «أفرغت يا أبا الوليد؟»؛ قال: نعم؛ قال: «فاستمع مني»؛ ثم قرأ من سورة فصلت: ﴿حم﴾ ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾؛ ومر على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فلما بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أمسك عتبة على فم النبي ﷺ وقال: «حسبك! حسبك!».
ثم لجأت قريش إلى عمه أبي طالب، تشكو: أن ابن أخيك يسفّه أحلامنا ويعيب علينا ديننا ويفضحنا في العرب! فكلم أبو طالب النبي ﷺ في ذلك؛ فكان الجواب الذي تسمعه الأمة إلى قيام الساعة: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركت».
ولفت الشيخ: تأمل الثبات! لو دُنّيت له الدنيا كلها ما ترك هذه الدعوة حتى يظهرها الله أو يهلك فيها.
ثم تعدت المضايقات إلى محاولات مستورة: فقد كان أبو سفيان وأبو جهل والأخنس بن شريق يجتمعون ليلًا — كل واحد في خفاء عن صاحبه — يستمعون قراءة النبي ﷺ: «وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له».
وساق الشيخ المواجهة الأخيرة: العرض الأخير؛ فقد قال النبي ﷺ كلمةً واحدة عرضها على القوم: «كلمة واحدة تعطونها، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم» — والمراد بها «لا إله إلا الله»؛ فأبَوا واستكبروا.
ثم حضرت أبا طالب الوفاة، فقال له النبي ﷺ: «قل: لا إله إلا الله»؛ ووعده أن يشفع له بها عند الله؛ فقيل له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟»؛ فمات على غير الإسلام.
ووقف الشيخ عند هذه اللحظة ليبين: هؤلاء لم يكفروا لأنهم لا يعلمون؛ بل كثير من المعرضين يعرفون الحق في قرارة أنفسهم، ثم يحملهم العناد وحب المكانة والسمعة على محاربته.
ثم دخلت الدعوة مرحلة جديدة: مرحلة الضرب والإيذاء؛ فأنزل الله سورة يس — سورة مكية — تعالج هذا المقام: ﴿يس﴾ ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾؛ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾؛ ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وضرب الله لهم مثلًا لأهل العناد والطرد: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾؛ ثم كانت العاقبة: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
وختم الشيخ الدرس بالدعاء: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك.
| العرض | صورته |
|---|---|
| المال | يجمعون له أموالهم حتى يكون أكثرهم مالًا |
| الملك والرياسة | يُمَلَّك على قريش ومن معهم |
| النساء | يزوّجوه بمن شاء من نسائهم |
| العلاج | يُطبَّبونه إن كان به شيء |
الدين لا يُساوم: عروض الدنيا كلها — مال وملك ونساء — عُرضت فما ترك ﷺ كلمة البلاغ حتى يظهره الله أو يهلك فيه.
22 سؤالًا • أجب عنها جميعًا ثم اعرض نتيجتك وتصحيح أخطائك
يجب الإجابة عن جميع الأسئلة قبل عرض النتيجة
20 سؤالًا صعبًا • لا يكفي الحفظ — لازم فهم عميق للشرح
يجب الإجابة عن جميع الأسئلة قبل عرض النتيجة