الدرس 1 من 26 — السيرة النبوية
العالم قبل الإسلام
الفيديو الأصلي: https://www.youtube.com/watch?v=LI99lWP1zac
بيحمّل المحتوى…
الدرس 1 من 26 — السيرة النبوية
الفيديو الأصلي: https://www.youtube.com/watch?v=LI99lWP1zac
بيحمّل المحتوى…
هذا أول دروس السيرة النبوية، ونبدأ بسؤال الأصل: لماذا ندرس السيرة؟ فقد يظن من سمعها أو قرأها أن المطلوب أسماء الصحابة وعدد بنات النبي ﷺ وتواريخ الحوادث؛ وهذه معلومات سطحية على الوجه، ومن جهل أساسيات دينه فمشكلته في إسلامه لا في معلوماته فقط، وإن كانت المعرفة هدفا أساسيا فليست الهدف الوحيد.
والهدف الأول: أن تعرف ما يريده الله منك كمسلم — ما معنى أن تكون مسلما: علاقتك بالدنيا وبالمال، وكيف تتزوج وكيف تعيش وكيف تتعامل مع الناس وكيف تعبد، وهل تضحي أم تعمل أم تسافر؛ وكل هذا في السيرة لأنها تريك الوحي مطبقا: النبي ﷺ والصحابة طبقوا الإسلام فعرفت منهم معنى الأخلاق وحجم العبادة وحجم التضحية.
والهدف الثاني: الإيمان والدافع؛ فالكلام عن النبي ﷺ وعن الصحابة وعن حقيقة الرجال الذين حملوا الدين يولد الحب والهوية والدافع: تعرف أجدادك الحقيقيين لا أبطال الأفلام، فيريد الواحد خطوة في الحجاب أو في الصلاة أو في ترك ذنب بعينه، وهذا يحتاج دفعة إيمان يصنعها الكلام عن النبي ﷺ، ولذلك لا تدرس السيرة مرة واحدة بل تعاد كالقرآن لتحمس وتخوف وتشجع وتطمئن.
ومن هذا الباب تعاش السيرة ولا تحفظ فقط: تقرؤها كما تقرأ سورة من القرآن — هذا الموقف ماذا يلزمني؟ وهذا الابتلاء كيف أصبر عليه؟ وهذا القرار على أي أساس آخذه؟ — فالسيرة تعلمك كيف تعيش مسلما وتفهم بها أحداث يومك.
ولذلك نبدأ اليوم بالواقع قبل الأشخاص: قبل الكلام عن النبي ﷺ ونشأته ونزول الوحي لا بد من فهم واقع العالم؛ فبغير خلفية عن الروم والفرس والأصنام وشخصية العربي تبدو الأحداث غريبة: لماذا حارب الروم؟ وما معنى الأصنام؟ ولماذا هؤلاء تحديدا؟ والبدء بالواقع طريقة صحيحة، واحذر أن تقعد للسيرة سامعا للتسلية والحكايات فتخرج بلا شيء.
من قصد السيرة للتسلية والحكايات أخطأ طريقها؛ إنما تعاش وتطبق كما يعاش القرآن ويطبق.
كانت البعثة في القرن السادس الميلادي (نحو سنة 600)، والعالم يومها تحت قطبين يمسكانه من أوله إلى آخره: الروم والفرس؛ والهند منغلقة على نفسها والصين بعيدة قليلة الاحتكاك حتى في السيرة.
الروم: أوروبا كلها وجزء كبير من أفريقيا (مصر وتونس وليبيا وبلاد أفريقيا) والشام كلها (فلسطين والأردن وسوريا)؛ وعاصمتهم القسطنطينية وهي إسطنبول في تركيا؛ ودينهم المسيحية المحرفة: عيسى ابن الإله أو هو الإله في صورة بشر، وحقيقة عيسى والثالوث وابن الإله، مع الأرثوذكسية والكاثوليكية والكنيسة.
وواقعهم: ظلم وقهر وضرائب، والكنيسة متحكمة في الناس، والملوك وطبقة الجند ورجال الدين يأكلون كل شيء ويأخذون المحاصيل ويحرقون الأرض، وفجوة طبقية رهيبة، وفوق ذلك لهو وسهر ورقص وشرب؛ فهم في قمة الغفلة: حضارة ظاهرها نور وباطنها ظلمة.
والفرس على يمين الروم وهم أكبر مساحة: من العراق صاعدا في آسيا (أفغانستان وكازاخستان وغيرهما)؛ ودينهم المجوسية — لا عبادة النار وحدها — بل عبادة الطبيعة وقواها: الهواء والماء والنار، والنار أعظم شيء عندهم يوقدونها كل يوم ويسجدون لها، وفلسفتهم إله للشر وإله للخير؛ وكانوا أشد ظلما من الروم لأن ملوكهم يعدون أنفسهم من الآلهة مباشرة فالاستعباد والتحكم في الشعوب أشد؛ ولقب الملك فيهم كسرى — وهو لقب لا اسم — كما أن لقب ملك الروم هرقل.
والهند دولة غريبة منقطعة عن الدنيا منغلقة على نفسها: وثنية تعبد الأصنام والآلهة الكثيرة (كالإله ذي رأس الفيل الذي تراه في بلاد آسيا) وتؤمن بتناسخ الأرواح: إذا مت رجعت في صورة شيء آخر؛ وفيها البوذية وعبادة البقر وعبادة الحيوانات؛ والعجب الأكبر تقسيم الحياة الاجتماعية على أساس الدين: الشعب أربع طبقات يولد الواحد في إحداها ويقال له هكذا خلقنا الله: البراهمة الكهنة أعلى الناس يملكون كل شيء، ثم طبقة الجند، ثم التجار والفلاحون وأصحاب الصنائع، ثم الخدم (الشودر) بقية الشعب؛ فالبراهمة آلهة على الأرض لا يحاكمون ولو قتلوا، والخادم مكتوب عليه الذل: لا يحكم ولا يملك.
والصين بعيدة جدا لا يكاد الاحتكاك يصل إليها في السيرة؛ فهذه خريطة العالم: قطبان يحكمان، ودولتان على الهامش.
| الدولة | المكان | الديانة | الواقع |
|---|---|---|---|
| الروم | أوروبا وأفريقيا والشام، والعاصمة القسطنطينية | مسيحية محرفة: الثالوث وعيسى ابن الإله | ظلم وضرائب وكنيسة متحكمة وفجوة طبقية ولهو |
| الفرس | من العراق صاعدا في آسيا، وهي أكبر مساحة | مجوسية: عبادة الطبيعة والنار وإلهان للخير والشر | أشد ظلما؛ الملك يزعم أنه من الآلهة |
| الهند | دولة منغلقة على نفسها | وثنية وأصنام وتناسخ أرواح وبوذية | أربع طبقات دينية؛ البراهمة فوق القانون والخدم أذلاء |
| الصين | بعيدة جدا | وثنية بمذاهبها | احتكاك قليل حتى في السيرة |
بعد رفع عيسى عليه السلام بقي العالم نحو 650 سنة بلا رسول ولا وحي فانقلب إلى ظلمة؛ وهذه أول وقفة: الإنسان من غير أن ينير الله له ويقول له كيف يعيش يعيش في طينة ووحل وضياع؛ فالشرع نور ورحمة، ومن غيره نختار الغلط ونقيم الغلط، ويتحول الإنسان إلى إرضاء الشهوات: ظلم وقتل ونهب وتشوه في الفطرة وانحطاط أخلاقي وديني وفكري.
ولا يغرنك الزمان: من ظن أن الظلام كان لأنه زمن العصور المظلمة وأن اليوم حضارة فقد ضحك عليه الشيطان بزينة الباطل؛ فالوافد إلى الغرب يرى الشوارع النظيفة والعمارات الحسنة والخدمات السريعة والمطار المنظم — ولا ينكر هذا أحد — لكن أين الجانب المظلم الذي وصلت إليه الإنسانية بلا نور؟
الجانب المظلم: إدمان حتمي — خمر أو مخدرات أو حتى أدوية بالوصفات — واكتئاب وانتحار، وتحرش فظيع حتى من الممثلين ولاعبي الكرة وأصحاب الشركات، وأسرة منهارة: الأب ينتظر بلوغ ابنه الثامنة عشرة ليطرده من البيت، والابن في السادسة عشرة يزني ولا زواج، والأب في الخمسين يودع دار المسنين لأنه لا يطيقه ولا يفكر فيه، وأغنية الرابر عن أب نبذه وأم مسجونة؛ وقد صار العالم ملحدا رافضا للدين بلا هوية دينية يعيش لشهواته: أكل وشرب ونوم كالأنعام.
فاحكم على الصورة كلها لا على ربعها؛ ونحن أيضا لسنا مطبقين للإسلام ونعيش في ظلمة، فلا مقارنة تنفع ولو قارنا لخسرنا؛ والحل الأساسي هو الوحي على المستوى الجماعي وعلى المستوى الفردي: من طبقه انتظمت علاقته بأهله وزوجته وأولاده وعاش حياة سوية مستقيمة، وبدونه نشاز تشذ فيه الفطرة عن الأخلاق والمعاملة والحياة الكريمة.
وقد لخص النبي ﷺ حال الأرض: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» — فلا أحد يعبد والكل يعصي ويفجر، ومع حلم الله؛ والمقت شدة الكره، والكل في ضلال إلا ناسا قليلة ما زالت على الحق؛ ثم: «ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني» — عجز كامل عن نفعه أو ضره — ومع ذلك يقدر أن يبعث لهم من ينقذهم: رسولا يدعوهم إلى الخير.
ننزل الآن إلى البقعة الصغيرة في مقابل تلك الإمبراطوريات: شبه الجزيرة العربية التي نسميها اليوم الخليج؛ نقطة صغيرة في الخريطة، والعرب حينئذ لم يكونوا شيئا كبيرا. وبدايتهم: هاجر إبراهيم بإسماعيل الطفل وأمه وتركهما في واد لا زرع فيه ولا أرض، فقالت: الله أمرك؟ قال: نعم، قالت: إذا لن يضيعنا؛ ومن هنا بدأ العرب.
ثم ضرب إسماعيل الأرض برجله ففجر جبريل زمزم، وجاء السعي والقصة المعروفة: صار المكان ماء وزرعا وهاجر إليه الناس؛ فالبداية توكل ثم ماء ثم عمران.
والعرب أقسام تمنع الخلط: البائدة الذين انتهوا ولم تأت من خلالهم سلالة (عاد وثمود ونحوهم)؛ ثم من نسل إسماعيل — وأصله ليس عربيا — ويسمون بني عدنان أو العدنانية وهم ولد إسماعيل ومنهم النبي ﷺ؛ ثم العرب الخلص وهم القحطانية؛ فإذا سمعت قحطان وعدنان فهمت المراد.
ويبين النبي ﷺ التسلسل: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم»؛ والبطن هو الفرع من القبيلة — كالبطن التي تحمل — فكنانة بطن من إسماعيل، وتفرعت منها بطون كان منها قريش، ومن قريش بنو هاشم، ومنهم الرسول ﷺ.
ولماذا لم يأخذ الروم ولا الفرس هذه البلاد في مملكتهما؟ لأنها أرض صحراوية جبلية صعبة: جبال وحر وصخور وطلوع ونزول، وأهلها صغار مهمشون لا يعبأ بهم؛ فبقوا على جانب في حالهم: لا يحتاجون العالم ولا يذهبون ولا يجيئون ولا يهاجرون ولا يتاجرون.
| التصنيف | النسب | الحال |
|---|---|---|
| العرب البائدة | عاد وثمود ونحوهم | انتهوا ولا سلالة من خلالهم |
| العدنانية (بنو عدنان) | من ولد إسماعيل عليه السلام | منهم النبي ﷺ |
| القحطانية | العرب الخلص | يسمع اسمهم مع عدنان فيتميزون |
عاش العرب بحكم أرضهم بلا زراعة كثيرة ولا صناعة أصلا؛ شغلهم رعي الغنم وتجارة بسيطة في أقمشة وأصواف وأوبار وزيوت؛ وقريش وحدها تخرج برحلتين للتجارة: الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام، في بقعة صغيرة من الخريطة؛ فالعرب في حالهم لا يختلطون.
وأسواقهم كثيرة يقعد فيها الباعة ويفرشون، والربا أساس التعامل لا تعامل إلا به: خذ هذه وأرجعها لي بعد ذلك بزيادة، وترجعها لي يوم كذا؛ وفكرة الربا عندهم فظيعة، وتجارة الخمر أفظع: من قال أنا تاجر دون تفصيل فمعناه تاجر خمر.
وأصل دينهم التوحيد: دين إبراهيم وأن الله واحد؛ ثم تحرف كل ذلك تحريفا شديدا بدأ من أيام نوح: قوم صالحون يعبدون الله فلما ماتوا صنع أتباعهم تماثيل تذكرهم بهم، ثم صاروا يصلون لها ويعبدونها حتى صارت آلهة مع الله؛ وشكا نوح ربه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِيدْهُمْ دُعَاءِي إِلَّا فِرَارًا﴾، وذكر أسماء من عبدوا: ﴿وَلَا تَذَرُوا وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾؛ فمن أيام نوح بدأ الشرك والوثنية وانتشر حتى صار دين العرب.
ومن صور التحريف: زعمهم أن الملائكة بنات الله، وأن الجن آلهة مع الله يعظمونهم، ويمشون إلى واد فيدعون أهله من الجن الذين يمسكونه ليحموهم ويأخذوا الأمان؛ وجعلوا الأصنام شركاء يعبدونها قربة: ﴿وَمَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ — يعبدون الأصنام والله يحب ذلك عندهم — مع اعترافهم بأن الله الخالق: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ فدينهم عبادة الأصنام مع الاعتراف بالله.
وانتشرت الأصنام حتى صار لكل قبيلة صنمها تسميه: اللات والعزى ومناة وود وسواع ويغوث، وأصنام كثيرة، ومنها إساف ونائلة؛ والعزى أعظمها عندهم، ولذلك قال أبو سفيان يوم أحد وهو مع الكفار: لنا العزى ولا عزة لكم؛ وكانوا يصنعون الأصنام من تمر وطين ولبن المعز حجرا يطوفون حوله حتى يجدوا صنما أحسن منه، حتى إن عمر صنع صنما من عجوة فلما جاع أكله: أكل إلهه.
ومن فروع الضبط: رحلتا الشتاء والصيف لقريش وحدها لا لكل العرب؛ والربا عندهم بلا استثناء؛ وبقايا التوحيد باقية عندهم يعرفون بيت الله — وهذا ما بنت عليه قريش مكانتها كما سيأتي.
| الصنم | موضعه في الدرس |
|---|---|
| اللات والعزى | العزى أعظم الأصنام عندهم |
| مناة | من أصنامهم المسماة |
| ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر | أسماء من ذكرتهم آية نوح |
| إساف ونائلة | من أصنامهم المذكورة |
| أصنام القبائل الصغيرة | تصنع من تمر وطين حتى يوجد أحسن منها |
الأصنام عندهم لم تنف الله: كانوا يعترفون أنه الخالق ويعبدونها قربة إليه؛ فمن ظنهم منكرين لله أخطأ فهم شركهم.
الفكرة التي بنيت عليها حياة العرب: القبيلة؛ فهم قبائل متفرقة في البحرين واليمن وشبه الجزيرة ومكة والمدينة يجتمعون حيث الأكل والزرع والماء؛ ويولد العربي وفي داخله أنه جزء من شيء أكبر منه: قبيلته — أنا وقبيلتي وقد انتهى الأمر — يموت لها ويعيش لها وكرامته من كرامتها؛ وليس الأمر كالانتماء إلى البلد اليوم، بل القبيلة أعلى من الدين عندهم؛ ويقودها من اختاروه: أقواهم وأحسنهم وأحكمهم، وكلمته كأنها وحي: يقول قوموا للجهاد فيخرجون، ويقول نهاجر فيهاجرون؛ ويقولون الأشعار في أنفسهم وضد القبائل الأخرى: نحن أحسن قبيلة؛ فنشأ تعصب فظيع لا يعرف الإنسان إلا بقبيلته؛ وقد جاء الإسلام يحارب هذه العصبية المزروعة فيهم ويقول: لا تحارب للقبيلة بل للإسلام.
ومن القبلية جاء العنف: الحروب والخصومات والقتل أسهل شيء وأبسطه؛ حروب قامت قديما لعشرين سنة لأن رجلا قتل حصان فلان، أو لأن رجلا شتم أم فلان في بيت شعر فقامت قبيلة تحارب قبيلة قتلا وسفكا؛ ولك أن تتخيل حربا بين روسيا وإسبانيا لسباق خيل لتدرك تفاهة السبب وعظم الثمن: الكرامة والانتصار للقبيلة بلا حد.
وأما الحياة الاجتماعية فلا طرف عندهم — والطرف السيارات والأكل واللبس الكثير — بل عكس ذلك تماما: حياة خشنة قليلة الأكل جبلية شاقة لا يبالي بها صاحبها؛ والعربي متعود على الخشونة والزهد والصبر على مشقة الحياة إذا قورن بالفرس والروم؛ فليسوا أهل ترف.
ومع الخشونة لهو وفجور: شرب وحفلات وسكر وزنا منتشر بشكل عجيب — أسوأ من حال بلاد العرب اليوم — زنا 24 ساعة في الشوارع وبيوت مفتوحة والأمر عادي؛ والخمر عندهم لا تتصور: لا يشربها في مجلس فحسب، بل يصحوا فيسخنها ويشربها على الريق كالشاي باللبن؛ فحش ودنو اجتماعي فظيع.
والأشد: المرأة مهانة عندهم؛ والناس اليوم تتهم الإسلام بالتضييق عليها وهو جاء يحررها من قيود عجيبة؛ فلسفتهم أنها كائن دوني: لا تحارب ولا تشتغل ولا تجلب مالا؛ فمن رزق بنتا تضايق — وهذا هو وأد البنات — فيقتلها أو يتوارى من القوم لسوء ما بشر به ويستحي من إنجاب البنت؛ ولا ترث شيئا وتذهب وتجيء كما يريدون؛ فتعامل العربي في اجتماعياته كان سيئا جدا.
فلماذا اختار الله العرب بعد كل ما تقدم؟ لأن النظر الصحيح إلى مجموع الصورة: عندهم مميزات كان الإسلام محتاجا إليها بشدة، ومشاكلهم سهلة الإصلاح؛ أما إنسان الفرس والروم فلا شيء كويس فيه: دنو وسفالة وذل واستعباد مع الترف واللهو والظلم.
أولها: الحرية والكرامة والشجاعة؛ فالعربي يموت نفسه لأجل حريته وكرامته ويرفض الذل والاستعباد أبدا، بخلاف المستعبد الذليل من الفرس والروم وخادم الهند؛ فحين يقول الإسلام للرجل: أنت عبد لله مت نفسك لأجله — يجد من يموت لأجل الإسلام.
والثاني: القرب من التوحيد؛ يعبدون الأصنام لكنهم قريبون جدا من فكرة الإله الواحد، بخلاف الفرس عباد النار والهند في الأوثان بلا عقيدة والنصارى في ضلال مبين؛ فعقل العربي قادر على استيعاب كلام الوحي بسرعة، وهذا أنفع شيء.
والثالث: قوة البدن والحرب؛ فالعربي يحارب كل يوم ولا يعرف عربي لا يضرب ولا يحارب ولا يقتل، فعنده القوة الجاهزة: قوموا للجهاد؛ حتى إن النبي ﷺ وهو صغير كان في حرب مشتعلة — حرب الفجار — يناول أعمامه ويجمع الطوب؛ فكل عربي جاهد وحارب وخاض الأمر.
والرابع: الزهد والتقشف والتحمل؛ فحين يقال للواحد: ضح لأجل الله واترك الطعام للصيام — يقدر على ذلك، بخلاف الفرس والروم وأشباههم العائشين في الترف واللهو الذين لا يتركون بسهولة؛ فالعربي جاهز للتضحية.
والخامس: الكرم والشجاعة والأخلاق والنبل؛ ومن القصص العجيبة: صحابية جاءت مهاجرة — والهجرة فرار من الأذى الذي يوقعه المشركون أنفسهم — فلقيها مشرك في الطريق: إلى أين؟ مهاجرة؛ فقال: لا تمشي امرأة وحدها بالليل، فأوصلها إلى المدينة أيام الهجرة ثم رجع ليعذب من جديد؛ تناقض ظاهره قبيح وباطنه نبل لم يوجد عند غيرهم، وهو ما ناسب الإسلام النازل.
والسادس: الموقع؛ فشبه الجزيرة جبال وصخور وصحارى، فإذا ظهر نبي لم تقدر دولتا الفرس والروم على غزوه من الخارج؛ ولو ظهر واحد في داخلهم لسهل الإمساك به والتضييق عليه؛ فكانت العرب في بقعة مرمية لا يقدر عليها أحد، مناسبة جدا؛ ففهم لماذا اختار الله الأرض والشعب والطباع ليخرج منها الرسول ﷺ.
| الميزة | معناها | الفرق عن غيرهم |
|---|---|---|
| الحرية والكرامة | يموت لأجلها ويرفض الذل | الفرس والروم مستعبدون وخدم الهند أذلاء |
| القرب من التوحيد | يعترفون بالله الواحد | الفرس نار والهند أوثان والنصارى ضلال |
| قوة البدن والحرب | حرب يومية منذ الصغر وحرب الفجار | لا يعرف عربي لم يحارب |
| الزهد والتحمل | يضحي ويترك الطعام للصيام | أهل الترف لا يتركون بسهولة |
| النبل والأخلاق | أوصل المشرك المهاجرة ثم رجع | نبل لم يوجد عند غيرهم |
| الموقع | جبال وصخور وصحارى | يعجز الروم والفرس عن الغزو من الخارج |
وآخر الكلام: من العرب كلهم إلى مكة وقريش؛ فقريش قبيلة — بطن كما تقدم — لم تكن في الأول تعيش في مكة بل في مكان آخر، ثم قال رئيس القبيلة: هيا إلى مكة وكان فيها ناس قاعدون فأخرجهم وسكنها؛ وقريش ليس اسما بل لقب وأصلهم فهر، وهم مولعون بالألقاب والكنى: أبو جهل سماه النبي ﷺ وهو أبو الحكم واسمه الأصلي عمرو، وعنده اسم ولقب وكنية، والنبي ﷺ يكنى أبا القاسم نسبة إلى ابنه — وليس شرطا أن يكون للملقب ابن بذلك الاسم.
وصارت القبيلة في مكة عائلات تتوزع المسؤوليات: أنتم للمال وأنتم للجيش وأنتم للسلاح وأنتم لدار الندوة وأنتم لرعاية الحجاج؛ وبنو هاشم — عائلة النبي ﷺ — جزء من القبيلة الكبيرة.
وميزة مكة: الكعبة؛ فالعرب ما زال عندهم بقايا التوحيد يعرفون أن هذا بيت الله وإن كان لكل واحد صنمه؛ فعملت قريش حيلة ذكية: الناس تأتي للحج لا للكعبة ولله فقط بل صارت تحج للأصنام؛ فوضعوا الأصنام حول الكعبة وصار موسم حج يزار فيه الأصنام، والحج معروف منذ أيام إبراهيم فصار معلنا مشهورا؛ فصارت قريش مركز العرب: علاقات مع كل العرب وتواصل وسياسات، ومعظمة في أعينهم لأنها تسكن عند بيت الله.
ونعم الله عليهم: تعودوا رحلتي الشتاء والصيف ولا يفهمون كيف كرمهم الله وأعطاهم المكانة وأحبهم العرب وعظمهم؛ فكانوا يصنعون مالا كثيرا من مواسم الحج والذاهبين والآتين؛ والأصل في العرب أن الخارج بقافلة تؤخذ منه لكثرة القبائل والخصومات، أما قريش فتترك: هؤلاء قريش أهل البيت؛ فيخرجون برحلاتهم ومالهم واقتصادهم براحتهم؛ فقال الله لهم: اذكروا نعمتي.
وهذا الذي جعلهم يرفضون الإسلام: لا لأن القرآن ليس حقا ولا لأنه لا رب ولا لأنك لست رسولا — بل هم يعرفون الأصل ويعرفون أنه نبي — وإنما الموضوع دنيا لا شبهة ولا آية غير مفهومة؛ فقد كانت لهم علاقات مع كل الناس وأصنام في كل مكان يحافظون بها على العلاقات، فجاءهم من يقول: سنعلن أنه لا إله إلا الواحد وكل الأصنام خطأ وسنكسرها ولا نتعامل بالربا؛ فقالوا: أموالنا واقتصادنا وعلاقاتنا ومكانتنا والناس ستعادينا — لا نريد، دعونا في دنيانا؛ وهم ليسوا أغبياء بل عارفون: الله موجود ونعرف كل شيء ونعرف أنه نبي، لكنها مصالح الدنيا التي لا يمكن فقدها.
ومن مكانة بني هاشم: جد النبي ﷺ عبد المطلب هو الذي وجد زمزم ثانية بعدما نسيت وردمت ولم يجدها أحد، فصارت تابعة لعائلته: هم المسؤولون عن رعاية الحجاج؛ فصارت عائلة مكرمة كبيرة؛ واعلم أن المكانة والهيبة لا تستلزم الغنى: عائلة النبي ﷺ لم يكن معها مال كثير، والفكرة أن تكون شريفا صاحب كرامة وشخصية؛ فلا تلتبس عليك بعد ذلك أخبار عمه الذي لم يكن معه مال.
ثم عام الفيل الذي ولد فيه النبي ﷺ: جاء أبرهة بالفيلة يريد هدم الكعبة، فأنزل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول؛ فاهتز العرب من جديد: هناك الله وهناك توحيد، وكأنها تذكرة قبل بعثة النبي ﷺ ونزول الوحي عليه؛ وولد النبي ﷺ بعد ذلك بنحو 50 أو 55 يوما.
لا تقل إن قريشا كذبت لجهلها؛ الدرس يقرر أنها عرفت ورفضت خوفا على المال والمكانة — وهذا يغير فهمك لكل ما سيأتي من أحداث.
22 سؤالًا • أجب عنها جميعًا ثم اعرض نتيجتك وتصحيح أخطائك
يجب الإجابة عن جميع الأسئلة قبل عرض النتيجة
20 سؤالًا صعبًا • لا يكفي الحفظ — لازم فهم عميق للشرح
يجب الإجابة عن جميع الأسئلة قبل عرض النتيجة